الغزالي

45

إحياء علوم الدين

لا يحصر من الجانبين أو من أحدهما ، أو بعدد محصور فإن اختلط بمحصور ، فلا يخلو إما أن يكون اختلاط امتزاج ، بحيث لا يتميز بالإشارة ، كاختلاط المائعات ، أو يكون اختلاط استبهام مع التميز للأعيان ، كاختلاط الأعبد والدور والأفراس . والذي يختلط بالاستبهام فلا يخلو إما أن يكون مما يقصد عينه كالعروض ، أو لا يقصد كالنقود . فيخرج من هذا التقسيم ثلاثة أقسام القسم الأول : أن تستبهم العين بعدد محصور . كما لو اختلطت الميتة بمذكاة أو بعشر مذكيات أو اختلطت رضيعة بعشر نسوة ، أو يتزوج إحدى الأختين ثم تلتبس ، فهذه شبهة يجب اجتنابها بالإجماع ، لأنه لا مجال للاجتهاد والعلامات في هذا . وإذا اختلطت بعدد محصور صارت الجملة كالشئ الواحد ، فتقابل فيه يقين التحريم والتحليل . ولا فرق في هذا بين أن يثبت حل فيطرأ اختلاط بمحرم كما لو أوقع الطلاق على إحدى زوجتين في مسألة الطائر أو يختلط قبل الاستحلال ، كما لو اختلطت رضيعة بأجنبية ، فأراد استحلال واحدة . وهذا قد يشكل في طريان التحريم ، كطلاق إحدى الزوجتين لما سبق من الاستصحاب . وقد نبهنا على وجه الجواب ، وهو أن يقين التحريم قابل يقين الحل ، فضعف الاستصحاب وجانب الخطر أغلب في نظر الشرع ، فلذلك ترجح . وهذا إذا اختلط حلال محصور . بحرام محصور . فان اختلط حلال محصور بحرام غير محصور ، فلا يخفى أن وجوب الاجتناب أولى القسم الثاني : حرام محصور بحلال غير محصور . كما لو اختلطت رضيعة أو عشر رضائع بنسوة بلد كبير . فلا يلزم بهذا اجتناب نكاح نساء أهل البلد ، بل له أن ينكح من شاء منهن . وهذا لا يجوز أن يعلل بكثرة الحلال ، إذ يلزم عليه أن يجوز النكاح إذا اختلطت واحدة حرام بتسع حلال ، ولا قائل به . بل العلة الغلبة والحاجة جميعا . إذ كل من ضاع له رضيع أو قريب ، أو محرم بمصاهرة أو سبب من الأسباب ، فلا يمكن أن يسد عليه باب النكاح . وكذلك من علم أن مال الدنيا خالطه حرام قطعا ، لا يلزمه ترك الشراء والأكل فإن ذلك حرج ، وما في الدين من حرج . ويعلم هذا بأنه لما سرق في زمان رسول الله صلَّى الله عليه وسلم مجن [ 1 ] ، وغل [ 2 ] واحد في الغنيمة عباءة ، لم يمتنع أحد من شراء المجان والعباء